عدتُ إلى المنزل الأحد الماضي متأخراً خمسَ دقائق فقط عن موعد العشاء. رائحة صينية البطاطس والدجاج المُحمَّرة تفوح في المنزل وزوجتي سعاد تجلس على طاولة المائدة. صحنُها الفارغ أمامَها، كومة من العظام تتجمع في صحن آخر، وصينية الدجاج لم يتبقَ منها إلا جناحاً صغيراً وثلاث قطع من البطاطس. في بعض الأيام كاليوم، تتعمدُ سعاد أن تترُكَ لي شيئاً من طبخها؛ لتذكرَني بكم هي طباخةٌ ماهرة.
قررتْ تدفئة المنزل في صباح يوم الأحد - يوم العطلة الرسمية - وبعدما فتحتُ الشبابيك وخرجَ الهواء الدافئ من الغرفة وحل محله الهواء البارد، هواء الثلاثة تحت الصفر، قررتْ في ذلك اليوم أن تتوقف عن العمل.
في إحدى قصصه القصيرة من مجموعة "البطيخة"، يروي الدكتور أحمد محمد الزعبي قصة رجل كان قد زَرَع قنبلة موقوتة على الطريق يستهدف فيها شاحنة كانت ستمر من هناك. قبل أن تأتي الشاحنةُ وتنفجرَ القنبلة، قُبِضَ عليه ورُبِطَ على جذع شجرة شائكة. كان مقيداً بشدة لا يستطيع الحركة، ومكتوماً لا يستطيع الصراخ، بالكاد كان قادراً على التنفس. كلُّ ما استطاع إليه هو النظر أمامَه باتجاه الطريق. بعد دقائقَ مرّ شاب وفتاة، عاشقان يعيشان لحظات الحب الأولى. وقفا فوق القنبلة الموقوتة تماماً، غير مدركين للخطر الذي هما فيه. ذُعر الرجل عندما رءآهما وبدأ يصرخ فيهما ولكنه لم يُسمع، حاول تحرير قيوده ولكنه لم ينجح. استمر في محاولاته لإنقاذهما ولتنبيههما ولكنه في النهاية أُرهِقَ من المحاولة ولم يظفر بشيء. أنهى أحمد الزعبي هذه القصة، عندما كتب على لسان الرجل: "لم أغمض عيني، هذا كل ما بقي، لم أغمض عيني".
منذ أن بدأتُ دوري الجديد في المجتمع كعاطلةٍ عن العمل، اختفت الكآبة من مساء الأحد واختفى النكد من يوم الاثنين. لم يبق في حياتي مصدرٌ للإزعاج إلّا ذلك الصوت الذي يخفت في الخلفية، يسألني: ماذا سنفعل عندما تنفَد مدخراتُنا؟ بعد أشهر من إصراره استجبت لرغباته، وقررت الخروج من المنزل في صباح يوم الاثنين. ظننتُ أنه بانضمامي لحشودٍ من الناس التي تتسارع إلى أشغالها في ساعات الصباح الباكرة، سألتمس شيئاً من النشاط وحبِ العمل الذي يسري في الأجواء في تلك الساعات. سأصاب بعدوى الطموح وأحملُها معي لنهاية الأسبوع، وأستغلُها في التفكير في مستقبلي المهني. هذه كانت خطتي. خرجتُ من المنزل في عجلة لا مُبرِّر لها، وقبل إغلاقي الباب، تفقدتُ حقيبتي لأتأكد أن محفظتي في داخلها. تحسّستُ من خارج الحقيبة شيئاً مستطيلاً صلباً فظننت أنه المحفظة، أغلقتُ الباب وبدأتُ رحلتي الصباحية إلى أحد مقاهي المدينة.
يسألني أصدقائي كيف أَقضِي وقتي، كوني عاطلةً عن العمل حالياً. أجيبهم بأني مشغولةٌ في استقبال الأفكار التي لا تكفُّ عن زيارتي في كل وقت وفي كل مكان. أفكارٌ لقصص قصيرة، لمقالات، لأفلام، لمشاريع وتطبيقات أودُّ بناءَها، أفكارٌ عديدةٌ أغلبها جيدة. يقولون لي "سجَّليها لكي لا تنسِيها، رتّبيها في أولوياتٍ وابدأي العمل. محظوظةٌ أنتِ بكل هذه الأفكار".
أنساها؟ محظوظة؟ دعوني أخبركم قليلاً عن تلك الأفكار...
يدوي صوت الإنذار الأول معلناً بدء فترة الخطر. كانت قد بدأت إيران وإسرائيل في تبادل الصواريخ منذ بضعة أيام، وكنت أنا وعائلتي وأقاربي وشعب الأردن بأجمعه من أشد المتابعين تفاعلاً مع تلك الأحداث: بعد كل صافرة إنذار متقطعة كنا نتأهب لاهتزاز بيوتنا من تأثير الانفجارات. أما ليلاً، فكنا نتسارعُ لمشاهدة عرض حصري من حرب النجوم في السماء، في نهاية الجولة يأتي صوت الإنذار الثاني كنغمة رتيبة مزعجة، معلنةً انتهاء فترة الخطر.
في إحدى تلك الأيام المشوِّقة، وصلتني رسالة على الهاتف من صديقٍ ألمانيً قديم يدعى ماكس.
استيقظتُ بعد أربعِ ساعاتٍ من نوم لم يُشبعْني وبالكاد أن أراح جسدي. الساعة تقارب الثامنة صباحاً، ولن أستطيع العودة إلى النوم؛ فَدرجة الحرارة في الغرفة كانت قد ارتفعت. هاهي أشعة الشمس تتلصص من جوانب الستائر المغلقة .. يوم مشمس وجميل، ولكن المِزاج عَكِرٌ من قلة النوم.
كنت قد قررت البارحة - بعد أن أمضيت ساعات في الفراش أحاول فيها استدعاء النوم - اعتزالَ القهوةِ؛ لتأثيرها السلبي على نومي. للأسف لم تكن تلك المرةَ الأولى التي يسرق فيها الكافيين مني النوم، وفي كل مرة أقرر: لا قهوة بعد اليوم.
كما يتوقع القارئ ذو الخبرة الشخصية في الموضوع، ها أنا الآن أجد نفسي تمشي إلى المقهى كأن الأمس لم يكن، تحت شعار: يومٌ جديدٌ، بدايةٌ جديدة. في الحقيقة، يتكرر هذا النمط من الأحداث باستمرار: يجافيني النوم فألوم القهوة، ثم "اضطر" لاحتسائها في اليوم التالي، للتخلص من آثار النوم السيء في الليلة الماضية. الموضوع معقدٌ ومليءٌ بالتناقضات الخطيرة، لهذا طورت أسلوباً في التعامل معه، يجري كالتالي:
أجلس على شرفتي وأراقب المطر الذي لم يتوقف عن الهطول منذ أيام. قد أمطرت هذا الأسبوع من شهر تموز في برلين ما أمطرت في العام الماضي كاملاً في الأردن. "موسم الزيتون هذه السنة لن يكون جيداً"، تنبئ أبي بثقة في بداية الصيف. شعور غامر بالعجز يملؤني، ها هي المياه التي يحلم فيها زرعنا في الأردن، اختبرها بوفرة وهدر. أود مشاركتها مع
أهلي، ولكن كيف؟