"لم أغمض عيني"
في إحدى قصصه القصيرة من مجموعة "البطيخة"، يروي الدكتور أحمد محمد الزعبي قصة رجل كان قد زَرَع قنبلة موقوتة على الطريق يستهدف فيها شاحنة كانت ستمر من هناك. قبل أن تأتي الشاحنةُ وتنفجرَ القنبلة، قُبِضَ عليه ورُبِطَ على جذع شجرة شائكة. كان مقيداً بشدة لا يستطيع الحركة، ومكتوماً لا يستطيع الصراخ، بالكاد كان قادراً على التنفس. كلُّ ما استطاع إليه هو النظر أمامَه باتجاه الطريق. بعد دقائقَ مرّ شاب وفتاة، عاشقان يعيشان لحظات الحب الأولى. وقفا فوق القنبلة الموقوتة تماماً، غير مدركين للخطر الذي هما فيه. ذُعر الرجل عندما رءآهما وبدأ يصرخ فيهما ولكنه لم يُسمع، حاول تحرير قيوده ولكنه لم ينجح. استمر في محاولاته لإنقاذهما ولتنبيههما ولكنه في النهاية أُرهِقَ من المحاولة ولم يظفر بشيء. أنهى أحمد الزعبي هذه القصة، عندما كتب على لسان الرجل: "لم أغمض عيني، هذا كل ما بقي، لم أغمض عيني".
بعد أشهر انتظرتُ فيها فضاوته وفراغ جدوله، التقيت أخيراً بماكس1. ذهبنا للعشاء في مطعم فيتنامي مطل على شارع رئيسي في وسط المدينة. جلسنا خارجاً في إحدى أمسيات الصيف الجميلة، حيث يتقاعس غروب الشمس للتاسعة مساءً، مُمْهِلَنَا ساعات إضافية خلال اليوم نستغلها كيف نشاء. ساعة ونصف من تلك الساعات قضيتها في الاستماع لماكس وآخر مستجدات حياته، هذه المرة عن فيروس المعدة الذي أصابه في البرازيل وكل التفاصيل المرافقة لتلك الحادثة. سأعفيك إياها عزيزي القارئ ترحماً بك. قبل أن أركب القطار ناوية العودة إلى المنزل، قررت أن أحدثه بذلك الموضوع الحساس. ولأني كنت قد جلست على أفكاري أشهراً عديدة، بل أكثر من سنة، نضجت الأفكار ولم أدر من أين ابتدئ الحديث.
"لم أعد أشعر بأننا أصدقاء يا ماكس، لم أعد أشعر برابط الصداقة بيننا".
اعتراف يحتاج إلى بعض من التبرير والشرح...
"منذ أكثر من سنة، أتابع إبادة جماعية على شاشتي، أرى صوراً تقشعر لها الأبدان، بينما أعيش في مجتمع لا مبال يبدو أنه لا يكترث لها أبداً. مررتُ بفترة عصيبة ابتعدتُ فيها عن جميع أصدقائي الذين بدوا كأنهم يعيشون في عالم موازٍ لم تنقلب فيه حياتهم رأساً على عَقْب، كما انقلبت حياتي."
استمع ماكس بإنصات مرتبك، ثم أخبرني بأنه على علم بأن أموراً سيئة تحدث في تلك المنطقة من العالم. حاول أن يفهم تاريخ الصراع ولكنه معقد جداً. لم يرغب في محادثتي بالموضوع لأنه يجهله، ولن يستطيع الحكم بموضوعية. عدا عن ذلك، لا يتابع الأخبار كثيراً ويتجنب الصور، حفاظاً على حالته النفسية. لا يريد أن يتأثر كثيراً، وأن يضيع في الألم والحزن. يشاهد الأخبار ولكنه يُبقي معلوماتِه سطحية محدودة بالحقائق وآخر المستجدات.
احترمتُ رغبتَه الشخصية في وقتِها ولم أُرِدْ أن أعاتِبَه على عدم اهتمامه، وإن بقي هناك تناقض لم أفهمه، أو ربما حقيقة لم أتقبلها: يعيش رجل في ثلاثينياته في نعيم العالم الأول، في راحة اقتصادية وبدون ارتباطات أو مسؤولياتٍ تجاه أحد، وفي نفس الوقت يجد نفسه عاجزاً عن البحث عن حقيقة الأمور، مرهقاً لدرجة لا يحتمل فيها رؤية صور لواقع آخر. أتفهمه ولا أتفهمه في الآن ذاته، أفهم خصوصية رحلاتنا الشخصية على هذا الكوكب، ولكني أتساءل: أهذا ما ينتظرني على الجانب الآخر، مع الاستقرار والعز والرفاهية؟ اللامبالاة والضياع والارتباك في أمور بهذه الأهمية؟
كنت ككثير من الناس، أشاهد الأخبار باستمرار. لم أتجنب الصور، التي كانت برأيي أصدق ما يتوفر لنا لنقل الجرائم الموحشة ومآسي الناس. أحياناً تأثرت وبكيت وأحياناً أخرى لم أشعر بشيء؛ لأن حواسي كانت قد تخدّرت. ولكني إن أخذت استراحة من الألم وأغمضت عيني، عدتُ بعد فترة كما كنتُ للأخبار والصور. هل هو فقط الإدمان والعادة؟ أم حس بالمسؤولية لا يشاركني إياه ماكس؟