من يوميات متابِعة حرب
يدوي صوت الإنذار الأول معلناً بدء فترة الخطر. كانت قد بدأت إيران وإسرائيل في تبادل الصواريخ منذ بضعة أيام، وكنت أنا وعائلتي وأقاربي وشعب الأردن بأجمعه من أشد المتابعين تفاعلاً مع تلك الأحداث: بعد كل صافرة إنذار متقطعة كنا نتأهب لاهتزاز بيوتنا من تأثير الانفجارات. أما ليلاً، فكنا نتسارعُ لمشاهدة عرض حصري من حرب النجوم في السماء، في نهاية الجولة يأتي صوت الإنذار الثاني كنغمة رتيبة مزعجة، معلنةً انتهاء فترة الخطر.
في إحدى تلك الأيام المشوِّقة، وصلتني رسالة على الهاتف من صديقٍ ألمانيً قديم يدعى ماكس.
تفاجأت من الرسالة، فأنا لم أسمع خبراً من ماكس منذ أكثر من سنة. قرأت رسالته، فيها التهنئات على عيد ميلادي الماضي. استغربت، لأنني كنت قد افترضت أن صداقتنا قد رحمها الله، تُوفيّت بعد مدة لا بأس بها من الإهمال المزمن وعدم الاكتراث المتبادل.
يسألني ماكس في رسالته عن حالي. أمهل نفسي بعض الوقت قبل أن أجيب على رسالته، أحاول فيه استيعاب فكرة إحياء العلاقات من جديد. خلافاً لبعض أصدقائي، والذين أحبهم جميعاً، فماكس لا يتواصل معي بالعادة طلباً لخدمةٍ أو معروف، وإنما يتواصل لأنه يريد التواصل. فَأستنتج إذاً أن صداقتنا كانت في غيبوبة وقد تم إحياؤها. أجيب رسالته بلهفة وتشوق لأشارك أهمَّ الأحداثِ في حياتي في هذه الفترة: "عدا عن الصواريخ والمسيرات التي تحلق فوق رؤوسنا حالياً في الأردن، فأنا بخير".
انتظر الآن دقائق لأفتح المجال لماكس أن يعبر عن شفقته وأسفه. أية مشاعر يستطيع صوغها، بصراحة، كانت ستفي بالغرض. ماكس كان قد درس الهندسة في جامعة ألمانية. لعقله المهندس يجب أن تستحضر كلمة صاروخ جدية الموقف وخطره. ماكس أيضاً من محبي البيئة الذين يفصلون النفايات بدقة، كنا قد خرجنا إلى مظاهرات التغيير المناخي مع بعضنا من قبل، وكان يشارك في مظاهرات الدراجات الهوائية على الشارع الرئيسي وغيرها، التي تعبّر عن رفضها للسيارات الملوِثة للمدينة والناهِبة مساحاتنا، فيجب على الأقل أن تستحضر كلمة صاروخ الوقود والدخان الأسود المضر للبيئة. استرسل في افتراضاتي وأتذكر بأن ماكس نباتي، يحب الحياة ويقاطع اللحوم، لذا سَتستحضر كلمة صاروخ بالتأكيد ما لا يعجب أي نباتي على وجه الأرض... أو هكذا افترضت.
لا تسمح لي اللباقة والأصول بالانتظار أكثر من بضع دقائق، فأتبع رسالتي عن الصواريخ ب: وأنت، كيف حالك؟
تأتي الآن هزّة الشبابيك المعتادة، لتؤكد أن في موقع ما، عند أناس ما، قد وقع صاروخ أو مسيرة.
رد ماكس بعد فترة وقال إن الصواريخ بالفعل لا تبدو شيئاً جيداً، مع سمايلي بريء ضاحك. وأكمل حديثه بعد ذلك، والذي هو أقرب إلى مقال إنشاء وتعبير، يسرد لي ما فعله في الأشهر الماضية:
ذهب ماكس، بعد أن ترك حبيبته الألمانية، إلى البرازيل، ملبياً نداء حبيبة سابقة تعرف عليها في رحلاته قبل 10 سنين. وقع في غرامها من جديد وسافر إلى القارة اللاتينية لِيلقاها. تلك الحبيبة البرازيلية تكبره سناً وتقطن مع أهلها لتعينهم. كان ماكس قد بدأ رحلته في علم النفس منذ فترة، وحبيبته تعمل كمعالجة نفسية، مما زاد من انجذابه إليها. للأسف لم تتم الأمور على خير وازدادت المشاكل بينهما إلى أن انتهت العلاقة وعاد ماكس إلى ألمانيا بعد قصة حب فاشلة.
يأتي صوت الإنذار الثاني ذو النغمة الرتيبة المزعجة، دالاً على انتهاء فترة الخطر. تذكرت، كان يفترض بي أن ابتعد عن الشبابيك.
يكمل ماكس قصته ويقول كيف أنه في المجمل سعيد بأنه ذهب إلى البرازيل وحاول تكوين هذه العلاقة. حتى لو لم تنجح؛ لأنه حاول أخيراً، وفي محاولته هذه ما يستدعي فخره بنفسه.
أقرأ تفاصيل حياة ماكس وفي داخلي شيٌ ما ينقبض… ما هذا الشعور؟ في العادة استمتع بِدراما الناس وبالذات بِقصصهم العاطفية، هذه المرة أجد نفسي غير قادرة على الانسجام.
أما بالنسبة إلى عمله، فقد وجد ماكس ما يعجبه أخيراً. يعمل ثلاثين ساعة أسبوعياً فقط، مما يتيح له الوقت لممارسة هواياته المفضلة من العلاج النفسي والتواصل غير العنيف.
تجمّدت في لحظة، بعد أن فطنت لما حدث للتو. هل مر ماكس مرور الكرام على ما أخبرته عن الصواريخ؟ أقرأ رسالاته مرة أخرى، لعلي لم انتبه. بالفعل، ليس فيها سؤال واحد عما إذا كنا في أمان، أنا وعائلتي، أو ماذا يعني أن تعبر الصواريخ سماءنا. لم أجد في رسائله أي تعبير عن حزن أو تعاطف. تبع عدم التصديق موجة حادة من الغضب، تلاها خيبة أمل كبيرة، كُبرَ مقالته الانشائية، وحزن عميق كأن شيئاً ما قد مات للتو.
تساءلت في نفسي، كيف ستكون ردة فعل ماكس، لو أخبرته بأن قطاراً تابعاً لل"دويتشه بان" كان قد تأخر ساعة واضطررت بعدها تغيير خططي في رحلة ما؟ هل سَتخونه عبارات المواساة؟ أم سيجيب بالتعاطف والفضول المناسبَين للموقف؟ يبدو أن تعاطفنا محدود في التجارب التي نألفها والتي لا تحتاج إلى الكثير من المخيلة لِاستدعائها. حروب وصواريخ وإبادة جماعية هي تجارب بعيدة جداً عن ماكس. فمن أين سَيستحضر ذلك التعاطف اتجاهها؟ وفي المقابل، بعده عن هذا العالم بعيد جداً عني، ولا أستطيع تخيله. فمن أين سَأستحضر التعاطف تجاهه؟
يأتي صوت الإنذار مرةً أخرى وينقذني من دوامة الأفكار. ماذا أجيب صديقي القديم؟ هل أتجاهله؟ هل انفجر غضباً؟ تضبطني اللباقة في النهاية وأرد: “ماكس، يجب أن أراك.. لدي ما أقوله لك، وجهاً لوجه!".

ماكس جنيّ من "لورد أوف ذا رينغز"، نباتي ومحب للطبيعة ويوحي بالسلام والأمان ولكنه في الواقع محارب، محارب أسوأ وأدنى أشكال الشر وهي الفوضى. مهاراته القتالية تكمن في عقله .. عقله المنظم.

يرتب ماكس جميع ممتلكاته المادية من ملابس وأدوات وغيرها في صناديق فوق بعضها بهذا الشكل، مع عجلات لتسهيل حركتها.
يسهّل هذا النظام على ماكس الانتقال من شقة لأخرى في مدينة برلين، حيث اللااستقرار هو أسلوب الحياة، ويسمح له أن يتأقلم في السكن بشقق صغيرة جداً، حيث لا تأخذ ممتلكاته حيزاً كبيراً.
الصورة من باوهاوس، بيت ماكس الثاني.