يوم تعطلت تدفئة المنزل

قررتْ تدفئة المنزل في صباح يوم الأحد - يوم العطلة الرسمية - وبعدما فتحتُ الشبابيك وخرجَ الهواء الدافئ من الغرفة وحل محله الهواء البارد، هواء الثلاثة تحت الصفر، قررتْ في ذلك اليوم أن تتوقف عن العمل.

لم آخذ الأمر بشخصية، فقد أعطتني إشاراتٍ منذ أسابيعَ بأنها تحتاج إلى العناية: إشعار ظهر على الشاشة الإلكترونية لسخان الماء، لم يكفّ عن الوميض يقول بأنَّ ضغط الماء في السخان قليل جداً. فهِمتُ محتوى الرسالة حينها، ولكن بقي هناك أسئلةٌ تجول في ذهني أشغلتني عن معالجة الأمر. أسئلةٌ مثلَ: ماذا يعني أن يخِفَّ ضغط الماء في السخان؟ ما تبعات ذلك؟ كيف يعمل السخان من الأساس لتدفئة المنزل؟ لم يتوقف السخان عن العمل، وظننتُ أنه لن يتوقف أبداً، إلى أن قرر يوم الأحد، يوم العطلة الرسمية وبعدما فتحتُ الشبابيك بأن يأخذ إجازته هو الآخر.

يتميز صباحُ يوم الأحد في برلين بالهدوء التام، هدوءٌ يتبعُ صخبَ الجمعة والسبت، ويوازنُهما في حدته. هدوءُ العطلةِ الرسمية حيث تُغلِقُ معظمُ المحلاتِ أبوابها. هدوءٌ تذكرك فيه العصافير بوجودها. هدوءٌ يحسن مِزاجي بدرجات ملحوظة ويشجعني، فأقرر: لن أدعَ برد الثلاثةِ تحت الصفرِ يكسرُ معنوياتي. سأحاول أن أُصْلِحَ السخان بنفسي.

بحثتُ في كُتيّب السخان عن الإشعارات التي تظهر على شاشته وكيفية إصلاحها، ولكن هذا الكتيب، الذي هو أقرب بالمجلد من دليل صيانة، يحتاج لشهادة جامعية في الهندسة ومستوى متقدمٍ جداً من اللغة الألمانية لفهمه. وجدت النسخة الإلكترونية من هذا الكتيب وأرسلته ل"تشات جي بي تي" ليفك ألغازه. بثوان معدودة قام بتحليله والإجابة عن جميع أسئلتي. مهمتي كما فهمتها هي وصلُ أحد مواسير السخان بمصدر ماء كالحنفية، ثم فتحُ المحبس ببطءٍ ليتم تعبئة السخان بالماء إلى أن يرتفع الضغطُ فيه.

ألقيتُ نظرة على مواسير السخان العديدة والإمدادات والمحابس ورسمت نظرية في ذهني عن كيفية عمله وخمنتُ أيةَ ماسورةٍ هي المسؤولة عن تعبئة السخان. لم يبق إلّا اختبار هذه الفرضيات، التي إن نجحت وأصلحتُ السخان، سيكون هذا الإنجاز أعظمَ إنجازاتي هذه السنة. أداءٌ من هذا النوع كفيل بأن ينقل ثقتي بنفسي إلى مستوى آخر تماماً، وبأن يعيد لي أمجاد الماضي، كذلك اليوم الذي أنقذتُ فيه المجلى من الغرقان وصرّفتُ الماء من أنابيبه المسدودة، أو تلك المرات التي ركّبتُ فيها قطع أثاثٍ من "أيكيا" دون أن أترك برغياً واحداً متخلفاً، أو عندما دهنتُ الجدار بنجاح، أو كل مرة أخرج فيها من متجر المستلزمات اليدوية "الباوهاوس" برضى لأني وجدت القطعة التي أبحث عنها في أقل من ساعة.

بدأتُ بفك غطاء صغير يحيط بفتحة الماسورة، وقبل أن أصلَ بها أنبوب الماء الذي سيتصل بالحنفية، لمحتُ بجانبها مِحبساً أرزقاً متوسط الحجم، لا أدري إن أغراني لونه الفاقع أو أن فضولي طفولي متمرد لا يحكمه تفكيري الدقيق أو استعداداتي المطولة، ولكني لم أشعر بيدي إلا وهي تتجه نحو ذلك المحبس الأزرق وتُديره. ما إن فتحته حتى اندفع ماء من الماسورة. ماء ذو رائحة كريهة اندفع بقوة في وجهي وعلى ملابسي. أفرغتُ الماء من السخان وصفّرتُ ضغطه. تبللت ملابسي الدافئة وفاحت مني رائحة مزعجة. بعد أن أستجمعت قواي وتخطيت الصدمة الباردة وفهمتُ المبدأ عدتُ للعمل، لكني للأسف، سرعانَ ما أكتشفتُ أني لا أملك الوصلة المناسبة لشبكِ أنبوب الماء بالحنفية. دون الوصلة سيطفح الماء من الأنبوب ولن يتدفق للسخان ليعبئه.

لحسن حظي تتفوق مهاراتي في الفلسفة على مهاراتي العملية في المنزل. في الحقيقة، لم تخذلني الفلسفة أبداً طول حياتي بل وكانت لي السندَ كلما فشلتني قدراتي الأخرى. جلستُ بعد تلك الحادثة أفكر، لماذا أريد إصلاح التدفئة بهذه السرعة من الأساس؟ نعيش في وقتنا الحالي في رفاهية كبيرة، فقدنا فيها قدرتنا على التأقلم مع أخف مصاعب الحياة. ألا أريد أن أعرف حدودي في تحمل المشقات؟ كم تبعد عني حافة الإنهيار؟ هل سيكسرني البرد، كما يكسرني الجوع أحياناً في رمضان؟ إن سارعت لحل المشاكل، ولم أختبر طعم الألم وعدم الراحة، لن أعرف قدراتي الحقيقية. تعطل التدفئة في يوم الأحد – يوم العطلة الرسمية – وبعدما فتحت الشبابيك ودخل هواء الثلاثة تحت الصفر منزلي وتبللت ملابسي الدافئة هو في الحقيقة من مصلحتي.. على المدى البعيد...