انتقام زوجة

عدتُ إلى المنزل الأحد الماضي متأخراً خمسَ دقائق فقط عن موعد العشاء. رائحة صينية البطاطس والدجاج المُحمَّرة تفوح في المنزل وزوجتي سعاد تجلس على طاولة المائدة. صحنُها الفارغ أمامَها، كومة من العظام تتجمع في صحن آخر، وصينية الدجاج لم يتبقَ منها إلا جناحاً صغيراً وثلاث قطع من البطاطس. في بعض الأيام كاليوم، تتعمدُ سعاد أن تترُكَ لي شيئاً من طبخها؛ لتذكرَني بكم هي طباخةٌ ماهرة.

في اليوم الذي يليه، سارعتُ إلى المنزل بعد أن أوصلتُ سهى - أم كانت سمر - المتدربةَ الجديدةَ في شركتنا، إلى باب شَقّتها في الطابق الرابع (وأكثر). عدتُ إلى المنزل وما إن دخلت البناية حتى شممتُ رائحة المُلُوخية والثُّوم الشهية تفوح في المبنى. صعدتُ الدرج على عجلة ولكما اقتربتُ من باب شَقتنا كلما احتدّت الرائحة. فتحتُ الباب واتجهتُ مباشرة إلى المطبخ، خِفتُ على الثُّوم أن يحترق فرائحته تنبّهُ بأنه وصل إلى درجة القلي المثالية وأكثرَ من ذلك سيعبرُ خطَّ اللارجوع، خطَّ الندم. في المطبخ لم أرَ أية ملوخية أو أية ثُوم على الغاز. لم أر إلا أطباقاً وأوانٍ متسخة. وزوجتي في الحمام تنظف أسنانها. فتحتُ الثلاجة، لعلها حنّت علي وتركت لي صحناً من طبختي المفضلة، ولكني لم أجد شيئاً. نمت محبطاً مخذولاً ذلك اليوم.

استيقظتُ مبكراً في صباح اليوم التالي لأرى سعاد في غرفة المعيشة، كانت قد قامت قبلي وبدأت تحشي الكوسا وتَلُفُّ أوراقَ العِنَب. هبَّ في داخلي تفاؤلٌ وأمل ايقظني، كما لم يوقظني أي فِنجان اسبرسو من قبل. عشائي الليلة قد يكون ورق العنب. وَعَدتُ نفسي أن أتجنب حنان - أم كانت أمل - تلك التي واعدتُها الأسبوع الماضي أن نخرج معاً بعد الدوام. سأتجنبُها وقسمَ المحاسبة كاملاً للاحتياط، وعندما تدق الساعةُ الخامسةَ مساء، سأسحب نفسي مباشرة إلى البيت. وهكذا فعلت. في طريقي إلى المنزل مررتُ على محل أزهار لأشتري باقة ورد لزوجتي. أخرتني بائعة الورود وهي تتدللُ وتتثاقل برقم هاتفها، ولكني وصلت البيت في السادسة والنصف مساءً. وجدت صحناً من ورق العنب ينتظرني على طاولةِ المائدة. تركت لي سعاد صحناً كاملاً، خمنته بادرةَ صُلحٍ أو هدنةَ سلام. انشرح قلبي وشعرتُ بالدفئ يغمرني فاتجهت مسرعاً إليه دون أن أخلع حذائي أو حتى معطفي. قضمتُ الحبة الأولى وانصدمت. أرز لم يكتمل طبخه "يقرمش" بين أسناني. لعلها حبةٌ واحدةٌ طفت على سطح الطَّنجرة ولم تتشرب حِصتها من الماء، ولكن لا. حبةٌ تلو الأخرى من أوراق العنب الملفوفة بامتياز تفوح منها أشهى وأطيب الروائح على وجه الأرض تحتاج خمس دقائق فقط، خمس دقائق إضافية على الغاز. لماذا تعذبُني سعاد بهذه الطريقة؟ لم تكتمل نشوتي في ذلك اليوم، ونمت خائباً كالعادة.

عدتُ اليوم إلى المنزل بعد منتصفِ الليل. كانت سعاد نائمةً في الغرفة، وأضواء البيت خافتةً إلا مصباحاً واحداً فوق طاولة المائدة، كان يشع على سَندَويش مغلف يبدو أنه من مطعم شاورما. كانت معدتي قد حمّضت من الأكل الجاهز في الفترة الأخيرة، فقررتُ أن أتعزز، لن آكلها، سآخذ موقفاً من إساءات زوجتي المتكررة. ولكني كنت ثمِلاً بعض الشي فلم أقاوم. أخذت أول قُضمة ولم أصدق، قطع من البطاطس تتخلل سَندَويش الشاورما. بطاطس في الشاورما يا سعاد؟ وصلتِ لمستوىً لم أتخيل أنك في يوم من الأيام ستصليه. بطاطس ذابلةٌ بائتة بين قطع اللحمة المشوية، تغمرها صوص الثوم. كنتِ ضفتِ بعض شرائح البندورة يا عزيزتي وقضيتِ علي في تلك اللحظة. شريكة حياتي تتآمر مع معلم الشاورما ضدي... أريد أن أعرِف، كم رشوتيه ليبيع ضميرَه ويخونَ مبادئَه؟ شعرت بكرهها لي في تلك اللحظة كما لم أشعر به من قبل. لم أتمالك نفسي، وأجهشت بالبكاء وأنا آكلُ واتنهد، غصباً عني، من الجوع والقهر والألم. انهرت واعترفت لنفسي أني خسرت، ربحتِ أنتِ وأنا خسرت.

اعترف بأني خنتكِ يا سعاد، ولكني على الأقل قبل أن أدخل المنزل أرشُّ عطراً على ملابسي ليَخفي رائحةَ مع من كنتُ وأنظفُ أسناني بعد أن أشرب، أما أنتِ فتتعمدين أن لا تشغّلي الشفاط وأن لا تفتحي الشبابيك، لتبقى روائح طبخِك الذي يقطّع روحي عالقة في المنزل. أنا خنتك يا حبيبتي، ولكن كوني صادقة، من منا خان العلاقة؟