دراما في صباح يوم الاثنين

منذ أن بدأتُ دوري الجديد في المجتمع كعاطلةٍ عن العمل، اختفت الكآبة من مساء الأحد واختفى النكد من يوم الاثنين. لم يبق في حياتي مصدرٌ للإزعاج إلّا ذلك الصوت الذي يخفت في الخلفية، يسألني: ماذا سنفعل عندما تنفَد مدخراتُنا؟ بعد أشهر من إصراره استجبت لرغباته، وقررت الخروج من المنزل في صباح يوم الاثنين. ظننتُ أنه بانضمامي لحشودٍ من الناس التي تتسارع إلى أشغالها في ساعات الصباح الباكرة، سألتمس شيئاً من النشاط وحبِ العمل الذي يسري في الأجواء في تلك الساعات. سأصاب بعدوى الطموح وأحملُها معي لنهاية الأسبوع، وأستغلُها في التفكير في مستقبلي المهني. هذه كانت خطتي. خرجتُ من المنزل في عجلة لا مُبرِّر لها، وقبل إغلاقي الباب، تفقدتُ حقيبتي لأتأكد أن محفظتي في داخلها. تحسّستُ من خارج الحقيبة شيئاً مستطيلاً صلباً فظننت أنه المحفظة، أغلقتُ الباب وبدأتُ رحلتي الصباحية إلى أحد مقاهي المدينة.

ركبت القطار ثلاث محطات، ثم مشيتُ ربع ساعة إلى أن وصلتُ المقهى. هناك شيٌ ما في الجو في تلك الساعات؛ لا شك في ذلك. دخلتُ المقهى وجلست على الطاولة، وقبل أن أطلب فنجان قهوةٍ، أردت أن أخرج محفظتي لأدفع. بحثت عنها في كل زاوية من حقيبتي، ولم أجدها. أين المحفظة؟ فتّشتُ في كل جيب أمتلكه، سواء أكان يتسع للمحفظة أم لا يتسع. لم أجدها، أين ذهبت المحفظة؟ ما الذي تلمّسته إذن قبل خروجي من المنزل؟ هل كان جيب الحقيبة مفتوحاً وسُرقت المحفظة في الطريق، أم فتحته الآن أثناء تفتيشِي؟ خانتني حواسي وخانتني ذاكرتي وبدأ الارتباك يعتريني.

لو كان ذلك اليوم يوماً آخر من أيام الأسبوع، ولم يكن يوم الاثنين، لكانت الأحداث ستتوقف عند هذا الحد: أعود إلى المنزل واكتشف بأن محفظتي تنتظرني على الطاولة، أو لا أجدها؛ فأتصل بالبنك لألغي بطاقتي، وأقوم بإجراءات روتينية أخرى يُضطر الشخص لعملها ولكنها لا تستدعي أية دراما. ولكن الهواء في صباح يوم الاثنين مشبع بشيء ما، شيء مألوف ولكني لم أعد أذكره، حوّل ارتباكي وقلقي إلى غضب يجري في عروقي، غضب وحيد حزين يبحث عن شريك.

خرجتُ من المقهى وعدت أدراجي، لعل الحظ يحالفُني وأجد المحفظة في المنزل. مشيتُ بسرعة، لم أُرِدْ تضيع المزيد من الوقت، فحتى الآن لم يجرِ صباحُ يوم الاثنين كما كنت قد تأملت. وقفت أمام محطة القطار وأمامي خياران: هل أركب القطار أم أكملُ الطريق مشياً إلى المنزل؟ إن ركبتُ القطار، أخاطر بأن يقبض عليّ مفتش التذاكر؛ كونُ تذكرةِ المواصلاتِ في محفظتي الضائعة. كنت محظوظة في طريق الذهاب، ولم يصعد مفتشُ التذاكر على متن قطاري، فهل سيداومني الحظ في طريق الإياب؟ قمت بتحليل سريع لهذه المخاطرة: كنت قد فُتّشتُ في اليوم السابق بعد مدة طويلة لم أرَ فيها مفتش التذاكر. أن أراه يومان على التوالي يعني أن حظي سيئٌ جداً، وما أعرفه عن نفسي هو أن حظي في العادة متوسطٌ يميل للمحظوظ قليلاً. وثقت بتحليلاتي وبحظي وركبت القطار. بعد محطة واحدة دخل رجال بملابسَ عامة، لا تميزهم عن الناس العاديين، من اليمين واليسار، ومن كل مدخل في القطار، وما إن أُغلِقت الأبواب حتى عرّفوا عن حالهم، مفتشو التذاكر.

"التذكرةُ من فضلك"، قال رجل تتدلى من عنقه هويةُ عَمَلِه الصفراء، تختبئ داخل معطفه الأسود.

"نسيتها في المنزل مع المحفظة". قلتُ بتأفف ووجه عابس نكد يجسّد بدقة "كشرة" أردنية أصيلة.

نظر إلي وكِدتُ ألمح ابتسامة على وجهه، كدت استشعر دقات قلبه التي ازدادت فرحاً عندما عَرَف أنه اصطاد فريسة جديدة اليوم. قال لي بلطفٍ مبالَغٍ به ما كنت أترقبه: "سننزل في المحطة القادمة ونكتب المخالفة".

لا هروب من القدر في هذه المرحلة، ولكني على الأقل وجدتُ من أُنوِّر يومه بشعلات غضبي في هذا الصباح المشؤوم. نزَلتُ أنا ومفتشُ التذاكر من القطار، ونزل معنا زميلُه. بدأ المفتشُ في تسجيل معلوماتٍ على جهازه المحمول، بينما وقف زميله بجانبه ينظر إلي. بدا الزميل كأنه شبهُ نائمٍ، يديه في جيبه وطاقية ال"هودي" تغطي رأسه. لعل العطلة الأسبوعية لم تنتهي بعد في توقيته. ولكن ما دوره؟ لماذا ينظر باتجاهي؟ هل ستُبعَثُ فيه الحياة وينقضُ للركض خلفي إن قررت الهروب؟ نظرتُ من حولي بحثاً عن طريق سالك. حاولت تقدير فرصة نجاحي إن قررتُ الركض، ولكن الفكرة بحد ذاتها أتعبتني فتخليتُ عنها، وانضممتُ إليه معنوياً في النوم.

"احتاج لهويتِك لأسجل بعض المعلومات"، قال مفتش التذاكر. "سأعطيكِ المخالفة، ولكن إن ذهبتِ خلال سبعة أيام إلى المكتب الرئيسي، مع تذكرة المواصلات التي نسيتيها، فستدفعين جزءاً بسيطاً من قيمة المخالفة."

هذا ما ينقصني في حياتي، مزيدٌ من الإجراءات البيروقراطية وطوابيرُ الانتظار. قضبتُ حاجبيّ انزعاجاً من كلامه الذي لم يعجبني وقلت: "هويتي ليست معي، نسيتها في المنزل مع المحفظة".

(نسيتها أم ضاعت، ليس من شأنه).

"هل لديك صورةٌ عنها في هاتفك؟"

"لا" خرجت مني قبل أن يكمل جملته.

"تأكدي من ذلك… فالتجول دون هوية مخالفٌ للقانون. سأُضطر لإبلاغ الشرطة، وقدومُها سيكلفكِ ألف يورو"، قال المفتش محاولاً إغرائي في التعاون معه.

"ألف يورو؟! منزلي على بعد محطتين من هنا!".

رفع المفتش كتِفَيه كأنه يقول "ليس بيدي حيلة، هذا هو القانون". نظرته ثاقبة ووجهه خال من المشاعر، لن يدع فريسته تهرب اليوم دون المخالفة.

"وماذا ستفعل الشرطة عندما تأتي؟ هل سترافقني إلى المنزل لتتأكدَ من هويتي؟" سألتُ بجدية مصطنعة.

"لا لم تفهميني، هي ستأتي فقط لتغرمَكِ الألف يورو."

قالها دون أن تَرِّفَ له عين، كأنّ هذا التسلسل من الأحداث هو عين المنطق والعقلانية. تأتي الشرطة لتغرِّمَني ألف يورو لأن كيلومتراً ونصف تفصل بيني وبين بطاقة بلاستيكية تُظهر اسمي. أليس لدى شرطة برلين ما هو أهم من ذلك؟ وأي اسم سَتسجله الشرطةُ على مخالفة الألف يورو هذه؟ ولكني رأيت الجدية في نظرته، شعرت بإصراره واستعداده لتصعيد الأمور وقلت لنفسي "اختصري!".

"سأُعطيكَ معلوماتي التي ستجدها على الهوية، اسمي وعنواني".

أعجبته إجابتي، وأخذ يسجل اسمي حرفاً حرفاً، ثم تاريخَ ميلادي وعنوانَ المنزل بالتفصيل. عندما انتهى، نظر زميله شبهُ النائم إلى ما سجّله المفتش ثم قال: "لا يبدو هذا اسماً حقيقياً".

لم أتمالك نفسي من الضحك... ثم أجبته: "هذا اسمي بالفعل، هو اسم عربي".

ليس اسماً حقيقياً… هذا كل ما يريده، اسم حقيقي؟ لماذا لم أعطه اسم جارتي التي تسكن فوقي، منذ سنين تزعجني بضجيجها بعد منتصف الليل، تحرِمني النوم ولا تأبه لمطالبي بالهدوء. اسمها الألماني سيبدو حقيقياً بالفعل.

"إن كذبتِ سوف نُحضِر الشرطة، وستُغرَّمين ألف يورو." قال المفتش في تهديدٍ هذه المرة. ثم أخرج هاتفَه المحمول وقام بالاتصال بصديقه الشرطي ليتأكدّ من المعلومات التي أعطيته إياه، بينما نظرتُ أنا من حولي مجدداً متأملة فكرة الهروب، فقط لإضافة بعض الدراما للموقف. ولكن المفتِشَ عاد بعد دقائق راضياً، فقد أثبت الشرطي على الهاتف - الذي لحسن الحظ لم يشرفْنا بحضوره - بأن الاسم والعنوان بالفعل حقيقيان. أعطاني مفتشُ التذاكرِ ورقةَ المخالفة ثم أطلق سراحي.

عُدتُ للمنزل ولك أن تتصور عزيزي القارئ كم كانت خيبة أملي كبيرة عندما وجدتُ المحفظة تنتظرني على الطاولة! هكذا ستنتهي مغامراتُ اليوم؟ ما زال غضبي يبحث عن شريك. موظف مكتب الهجرة، عميل البنك، موظف شركة التأمين، موظفة الاستقبال في النادي الرياضي … كنت على كامل الاستعداد بأنْ أضيع باقي يوم الاثنين في مكالمات هاتفية أبلغ فيها عن بطاقاتي المفقودة. على أية حال، إن تعلمتُ شيئاً ذلك اليوم، هو أنه في عملي القادم، سيبدأ أسبوعي من مساء يوم الجمعة...