انتقل إلى المحتوى

دبلوماسية عقيمة

مجلس الأمن

استيقظتُ بعد أربعِ ساعاتٍ من نوم لم يُشبعْني وبالكاد أن أراح جسدي. الساعة تقارب الثامنة صباحاً، ولن أستطيع العودة إلى النوم؛ فَدرجة الحرارة في الغرفة كانت قد ارتفعت. هاهي أشعة الشمس تتلصص من جوانب الستائر المغلقة .. يوم مشمس وجميل، ولكن المِزاج عَكِرٌ من قلة النوم.

كنت قد قررت البارحة - بعد أن أمضيت ساعات في الفراش أحاول فيها استدعاء النوم - اعتزالَ القهوةِ؛ لتأثيرها السلبي على نومي. للأسف لم تكن تلك المرةَ الأولى التي يسرق فيها الكافيين مني النوم، وفي كل مرة أقرر: لا قهوة بعد اليوم.

كما يتوقع القارئ ذو الخبرة الشخصية في الموضوع، ها أنا الآن أجد نفسي تمشي إلى المقهى كأن الأمس لم يكن، تحت شعار: يومٌ جديدٌ، بدايةٌ جديدة. في الحقيقة، يتكرر هذا النمط من الأحداث باستمرار: يجافيني النوم فألوم القهوة، ثم "اضطر" لاحتسائها في اليوم التالي، للتخلص من آثار النوم السيء في الليلة الماضية. الموضوع معقدٌ ومليءٌ بالتناقضات الخطيرة، لهذا طورت أسلوباً في التعامل معه، يجري كالتالي:

في طريقي إلى المقهى، أبدأ حواراً داخلياً أستمع فيه إلى الأطراف المؤيدة لاحتسائيَ القهوة والمعارضةِ لها. في مخيلتي، نجلس جميعُنا في دائرة مغلقة، لكلٍ منا مايكرفوناً ووقتاً محدداً يعبر فيه عن آرائه، ويقدم الحُجج والبراهين لدعم موقفه، بكامل حريته وباللهجة التي تريحه (وتفش غله).

يبتدئ الشيخ صادق الحوارَ، وهو أشدُ المعارضين للقهوة، ومُمثّلُ تلك الحقيقة الشخصية التي لا تُعجب أحداً، ويقول: "إذا احتسيتُ القهوة الآن، بأي شكلٍ من أشكالها، فلن أنام بعمقٍ هذه الليلة."

حقيقةٌ تعوّد الجميع سماعَها، ولثباتِها لا تستدعي أيّة براهين.

"كان نومي سيئاً جداً في الليالي الماضية. استيقظت مراراً وتكراراً أثناء الليل. لم أتذكر أيةً من أحلامي. استيقظ بآلامٍ في جسدي. كأنّي لم أنم، بل استلقيتُ على السرير وتوقفت مؤقتاً عن الحركة!" تقول الآنسة ليلى بانزعاجٍ واضح. الآنسة الأميرة مولعةٌ بالنوم أكثرَ من الحياة نفسِها، تكاد لا تصدق ما ترى أمامَها، تجلس مستنكرةً اجتماعنا بالأساس وفَتْحِنا ذلك الحديث مرةً أخرى.

يلتفت الدكتور سليم، البراغماتي في طبعه، إلى الآنسة ليلى وبصوت هادئ يقول:"فنجان القهوة هذا هو الذي سيعطيني الطاقة لبدء يومي. بدون الكافيين، كما يعرف الجميع، سأعود إلى المنزل مُستَنْفَدَ الطاقة، وفاقدَ الرغبة لعمل أي شيء. سيمضي النهار ويضيع إلى أن تعاودَني الرغبة في العمل في السادسة مساءً، وفي إثرها سأبقى مستيقظاً للواحدة أو الثانية صباحاً. جرعةٌ صغيرة من الكافيين الآن سَتضبط بقية يومي وبالتالي ليلي."

يستغل سابق، مدمنُ الكافيين ومسابق الزمن، التحولَ في الموقف، وكان صبرُه قد نفد، ليقدم ما يراه أهمَ المعلومات التي لم تُذكر لحد الآن: "الكافيين سَيعدّل مزاجي، الذي بدأ بالتدهور منذ لحظة استيقاظي ويوشكُ الآن أن يصل الحضيض.. أشعة الشمس هذه، التي لم نراها منذ أسابيع، تزعجني! نسمة الهواء العليل البارد نسبياً تستفزني! ذلك الطفل البريء بشوش الوجه، المفعم بالأمل والحياة والحيوية … "

ينتهي المجلس لحظة وصولي إلى المقهى. أقف في الطابور وأنظر بتمعن إلى خيارات المشروبات على لائحة الحائط. يأتي دوري، وأطلب بحزم، كشخصٍ تدرب على هذا المشهد آلاف المرات: "أريد كابتشينو صغيراً، بدون كافيين، لو سمحت".

قد يبدو للبعض أن هذا الخيار من المشروب الساخن خيارٌ استراتيجي عادل، يرضي جميع الأطراف. (كيف تحتسي القهوة دون أن تحتسيها؟ اطلبها خاليةً من الكافيين). لكن في الحقيقة، لا شيء عادل في هذا القرار سوى كره الجميع له بالتساوي. فالقهوة، من تجربتي الخاصة، سواءً شربتها خاليةً من الكافيين أم معه، سواءً أكانت أرابيكا أم روبوستا أم خليطاً، سواءً تركية كانت أم عربية أم أمريكانو، وبغض النظر عن مصدر حبوبها وتاريخ تحميصها، والكمية التي استهلكُها، وسواءً احتسيتُها أثناءَ تأملاتي العميقة أم شربتها جرعةً واحدة على عجلة؛ فهي تسلبني النوم العميق. وعندما أشربها خاليةً من الكافيين، فإنها لا تعطيني أية طاقة ذهنية. هذا يعني وبكل بساطة أنني عندما أحتسي الكابتشينو خالي الكافيين، فإنني لن اصحصح هذا النهار، ولن أنام بعمق هذه الليلة.

أجلس على طاولةٍ خارجَ المقهى أنتظر طلبي، أشعة الشمس تلون كلَّ ما تقع عليه، وتبعث فيه الحياة. أشعر بالرضا؛ كنت قد مارست شيئاً من الدبلوماسية مع أطرافٍ سَيعارض بعضها البعض إلى ما لا نهاية. أتقنت هذا البروتوكول المنصف، الذي لا يرضي أحداً؛ ولكن يفرض التوازن والاستقرار بين تلك الأطراف.

هل هذا إنجاز؟ أم أنّي أمارس شيئاً من خداع الذات، وإن كان بإبداع؟

تأتي النادلة وتضع القهوة المزيفة على طاولتي. هذا المشروب الذي لا يرضي أحداً إلا جزءاً واحداً مني، لم يأتي أصلاً إلى طاولة الحوار. هذا الجزء اﻷقرب إلى العادة من أي شيء آخر، عديم الاسم مجهول الهوية، كان قد استلم مقود السيارة منذ لحظة استيقاظي وسار بي إلى أقرب مقهى. غير آبه بأية حجة أو منطق. كل ما يريده هو أن يشم رائحة القهوة ويتذوق طعمها المر. هذه هي حقيقة الموقف، وغيره ليس إلا مسرحية!

مجلس الأمن

يجتمع مجلس الأمن من جديد لبحث الأوضاع المتوترة واتخاذ قرارات لا تحدد بأي شكلٍ من الأشكال مسار الأحداث المقبلة.

الصورة الأصلية من بريتانيكا.